بحث هذه المدونة الإلكترونية

2008/10/10

oOo نسيبة بنت كعب oOo موسوعة خير نساء المسلمين. 29


المحاربة أم المحاربين
(نسيبة بنت كعب)

*"ما التفتُّ يومَ أُحد يمينًا ولا شمالا إلا وأراها تقاتل دوني" .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم عنها: "لمَقَاَم نسيبة بنت كعب اليومَ خيرٌ من مقامِ فلان وفلان" [ابن سعد].
وتقول عن نفسها: رأيتُنى وقد انكشف الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم، فما بقى إلا فى نفر لا يتمُّون عشرة، وأنا وابناى وزوجى بين يديه نذبّ عنه (ندافع عنه)، والناس يمرون به منهزمِين، ورآنى لا تِرْسَ معي، فرأى رجلاً موليًا معه ترس، فقال صلى الله عليه وسلم لصاحب الترْس: "ألْقِ تِرْسَكَ إلى مَنْ يقاتل". فألقى تِرْسَه، فأخذتُه، فجعلتُ أتَتَرَّسُ به عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما فعل بنا الأفاعيل أصحابُ الخيل، لو كانوا رجالاً مثلنا، أصبناهم إن شاء اللّه، فأقبل رجل على فرس، فضربنى وتترستُ له، فلم يصنع سيفُه شيئًا، وولَّي، فضربتُ عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يصيح: يا ابنَ أم عمارة، أمك أمك، فعاوننى عليه حتى أوردته شَعُوب (الموت). فسمعـتُ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول: "بارك اللّه عليكم من أهل بيت، رحمكم اللّه -أهل البيت-" [ابن سعد].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم اجعلهم رفقائى فى الجنة" [ابن سعد]. فقالت أم عمارة: ما أبالى ما أصابنى من الدنيا.
ويقول ابنها عبد الله بن زيد: جُرِحْتُ يومئذٍ جرحًا، وجعل الدم لا يرقأ (لا يسكن عن الانقطاع)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "اعصب جرحك"، فتُقبل أمى إلي، ومعها عصائب فى حقوها، فربطتْ جرحي، والنبى واقف ينظر إلي، فقال: "انهض بُنَى فَضارب القوم". وجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ومن يطيق ما تطيقين يا أم عمارة". قالت: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال صلى الله عليه وسلم: "هذا ضارب ابنك". فاعترضتُُ له فضربتُ ساقه، فبركَ. فرأيتُ النبي صلى الله عليه وسلم يبتسم حتى رأيتُ نواجذه، وقال : "استقدتِ (أخذتِ ثأركِ) يا أم عمارة"، ثم أقبلنا نُعِلُّهُ (تتابع ضربه) بالسلاح حتى أتينا على نَفَسِه. فقال صلى الله عليه وسلم: "الحمد لله الذي ظفرك" [ابن سعد].
إنها السيدة نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف الأنصاري، المعروفة بأم عمارة، وأمها الرباب بنت عبد الله بن حبيب بن زيد، أنموذج حـَى من نماذج النساء المؤمنات المخلصات، وواحدة من امرأتين حضرتا بيعة العقبة الثانية، وتقول فى ذلك: كانت الرجال تصفِّق على يدى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، والعباس آخذ بيد النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بقيتُ أنا وأم منيع أختي؛ نادى زوجى "غُزية بن عمرو": يا رسول الله هاتان امرأتان حضرتا معنا يبايعانك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "قد بايعتُهما على ما بايعتُكم عليه، إنى لا أصافح النساء" [ابن سعد].
جاهدتْ فى الله بكل ما أوتيتْ من قوة، ونذرت نفسها لإعلاء كلمة اللّه، فقاتلتْ يوم أُحد وجُرِحت اثنتى عشرة جراحة، وداوت جرحًا فى عنقها لمدة سنة حتى قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم: "لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان" [ابن سعد]، ولما نادى النبي صلى الله عليه وسلم إلى حمراء الأسد، شدت عليها ثيابها، فما استطاعت من نزف الدم، كما شهدت الحديبية وخيبر وحنينًا ويوم اليمامة.
وهى أخت عبد اللّه بن كعب الذي شهد بدرًا، وأخت أبى ليلى عبد الرحمن بن كعب -أحد البكّائين- لأبيها وأمها.
تزوجتْ من زيد بن عاصم النجارى فولدتْ له عبدالله وحبيبًا، اللذين صحبا النبي صلى الله عليه وسلم، ثم تزوجت بعده غزية بن عمرو من بنى النجار، فولدت له تميمًا وخولة. وقد شهد معها ومع ابنيها من زوجها الأول أُحُدًا.
كانت نسيبة تحافظ على حضور الجماعة مع النبي صلى الله عليه وسلم؛ كبقية النساء آنذاك، فتسمع منه الدروس وتتعلم أدب الإسلام.
ولما بلغها أن ابنها "حبيبًا" قتله مسيلمة الكذاب، ومثَّل به -حين بعثه أبو بكر إليه؛ ليدعوه إلى الإسلام ويُرْجِعُهُ عن افتراءاته وكذبه- عاهدتْ الله أن لا تموت دون هذا الكذَّاب؛ لهذا جاءت الصديق أبا بكر -عندما أراد إرسال الجيش إلى اليمامة لمحاربة المرتدين ومسيلمة الكذاب- تستأذنه فى الخروج مع الجيش، فقال لها: قد عرفنا بلاءَكِ فى الحرب، فاخرجى على اسم اللّه. وأوصى خالدَ بن الوليد بها خيرًا، وفى المعركة جاهدت وأبلت أحسن البلاء، وجُرحت أحد عشر جرحًا وقُطِعَتْ يدها، واستشهد ابنها الثانى عبد اللَّه، وذلك بعد أن شارك معها فى قتل مسيلمة عدو اللّه.
ولما هدأت الحرب وصارت أم عمارة إلى منزلها؛ جاءها خالد ابن الوليد يطلب من العرب مداواتها بالزيت المغلي، فكان أشد عليها من القطع، ولهذا كان أبو بكر الصديق -رضى الله عنه- يعودها - وهو خليفة - بعدما عادت من اليمامة؛ لأنه أكرم فيها إيمانها وصدقها وبطولتها، وعَرَفَ شهادة نبى الله صلى الله عليه وسلم فيها؛ لهذا ظل يسأل عنها ويعودها، حتى شُفِيَتْ بإذن الله. وكان خالد بن الوليد يزورها ويعرف حقها ويحفظ فيها وصية سيد البشر صلى الله عليه وسلم.
تلك هي المسلمة المجاهدة الداعية المربية، التي تعدُّ الأبطال، وتربى الرجال، التي لا تعبأ بما يصيبها فى الدنيا، بعد أن دعا لها النبي صلى الله عليه وسلم برفقته فى الجنة، فكانت فى طليعة المؤمنات الصادقات، ورصَّعَتْ تاريخها على جبين التاريخ لتكون نموذجًا يُحتذي.*

***************


--
***************
لا تنسوني ووالدي من دعائكم

أخوكم في الله

أبو بكر

oOo فاطمة بنت الخطاب oOo موسوعة خير نساء المسلمين. 28

أخت الفاروق
(فاطمة بنت الخطاب)

*سُجل اسمها فى ذاكرة التاريخ ووعى الأمة من خلال إسلام أخيها "عمر بن الخطاب"، ويكفيها فخرًا واعتزازًا أن دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يعز الله الإسلام بأحد العمرين قد تحققت على يديها.
إنها أم جميل فاطمة بنت الخطاب أخت عمر -رضى الله عنهما- فيحكِى عمر بن الخطاب -رضى اللَّه عنه- قصة إسلامه على يديها، فيقول: خرجتُ بعد إسلام حمزة بثلاثة أيام، فإذا بنعيم ابن عبد الله المخزومي، فقلتُ له: أرَغِبْتَ عن دين آبائك إلى دين محمد؟ قال: قد فعل ذلك من هو أعظم عليكَ حقَّا مني. فقلتُ: ومَنْ هو؟ قال: أختك فاطمة وخَتنُك (صهرك) زوجها، (سعيد بن زيد).
فانطلقتُ فوجدتُ الباب مغلقًا، وسمعتُ هَمْهَمَة، ولما فُتِح الباب - دخلتُ، فقلتُ: ما هذا الذي أسمعُ؟ قالتْ فاطمة: ما سمعت شيئًا. فما زال الكلام بيننا حتى أخذتُ برأسها، فقالتْ: قد كان ذلك على رغم أنفك، فاستحييتُ حين رأيت الدم.
وقلت: أرونى الكتاب الذي سمعتكم تقرءون آنفًا. فقالت: إنا نخشاك عليه، فقلتُ: لا تخافى وحلفت بالآلهة لأردّنه -إذا قرأتُه- إليهم، فقالت: إنه لا يمسهٍ إلا المطهرون، فاغتسلتُ، فقرأتُ: بسم اللَّه الرحمن الرحيم: (طه. ما أنزلنا علك القرآن لتشقى. إلا تذكرة لمن يخشي تنزيلا ممن خلق الأرض والسموات العلى الرحمن على العرش استوى) [طه: 1-5].
فقلتُ: ما أحسنَ هذا الكلام وأكرمَه، فلما سمع منى خَبَّاب بن الأَرَتّ هذا الكلام خرج من مخبئه، حيث كان يُقْرِئها وزوجَها القرآن، فلما سمعنى -أَطْرُق على الباب- خشى وتخفّى فيه، فقال: يا عمر. إنى لأرجو اللَّه أن يكون قد خصَّك بدعوة نبيه، فإنِّى سمعتُه أمس وهو يقول: "اللهم أيِّد الإسلام بأبى الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب" (وفى رواية: بأحد العُمَرَيْن) فاللهَ اللهَ يا عمر.
فقلتُ لخباب: دلنى على محمد؛ حتى آتيه فأُُسْلِم. فأخذنى إلى بيت الأرقـم بن أبى الأرقم (على الصفا)، حتى قلت أمـام رسـول اللَّه صلى الله عليه وسلم، حينئذ كَبَّر رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، فكَبَّر الصحابة وهللوا، وأعلنوا فرحتهم. [أبو نعيم].
نشأت فاطمة فى بيت أبيها الخطاب بن نفيل المخزومى القُرشى صاحب الشرف والرفعة والفضائل العربية، وأمها هي حنتمة بنت هاشم بن المغيرة.
كانت فاطمة بنت الخطاب صحابية جليلة لها السبق إلى الإسلام، هي وزوجها سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل -أحد العشرة المبشرين بالجنة- حيث أسلما قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وأنجبت له عبد الرحمن.
وقد كان لها دور مهم فى بداية الدعوة، فقد أعطتْ نموذجًا كريمًا للمرأة فى الكتمان والسرية حفاظًا على الإسلام وعلى رسـول الله صلى الله عليه وسلم، وضربْت -كذلك- مثالا فى الشجاعة.
يروى أن المشركين هاجموا المسلمين ذات يوم، وكان فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، وضُرب أبو بكر ضربًا شديدًا، ثم حُمل إلى داره. فلما أفاق سأل أمه "أم الخير": مافعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ فقالت: واللَّه ما لى علم بصاحبك! فقال: اذهبى إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه.
فخرجَتْ حتى جاءت أمَّ جميل، فقالتْ: إن أبا بكر يسألكِ عن محمد بن عبد اللَّه، فقالت أم جميل: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد اللَّه، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك. قالتْ: نعم. فمضتْ معها حتى وجدتْ أبا بكر صريعًا، فاقتربتْ أم جميل منه، وصاحت: واللَّه إن قومًا نالوا هذا منك، لأهل فسق وكفر، وإنى لأرجو أن ينتقم اللَّه منهم. قال: فما فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها. قالت: سالم صالح. قال: أين هو؟ قالت: فى دار ابن الأرقم. قال: فإن للَّه على لا أذوق طعامًا ولا أشرب شرابًا حتى آتى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فأمهلتاه حتى سكن الناس. ثم خرجتا به يتكئ عليهما؛ حتى أدخلتاه علـى رسـول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد روت -رضى اللَّه عنها- عن النبي صلى الله عليه وسلم عدة أحاديث.*



--
***************
لا تنسوني ووالدي من دعائكم

أخوكم في الله

أبو بكر

محنة الامام ابن خزيمة !!.


يعتبر الحسد هو السبب الرئيسي لمعظم المحن والابتلاءات التي تعرض لها علماء الأمة، وعادة ما يكون الحسد بسبب مكانة العالم ومنزلته بين الناس ومحبة العالمين له، أو بسبب جراءته في الحق والصدع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي صفات غالبًا ما تكون في العلماء الربانيين، ولكن أن يحسد العالم بسبب نجابة تلاميذه والتفوق العلمي لهم، فهذا هو العجب حقًا، ومما يؤرخ له في مقامنا هذا.
التعريف به:
هو الإمام الحافظ الحجة الفقيه، شيخ الإسلام، إمام الأئمة، أحد أركان السنة، أبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة السلمي النيسابوري الشافعي، صاحب التصانيف الهامة، وُلد سنة 223هـ، وأخذ في طلب العلم في حداثته، فاعتنى بسماع الحديث والفقه وتضلع فيهما، حتى صار يضرب به المثل في سعة العلم والإتقان، وقد شرب ماء زمزم في حجه بنية العلم النافع، فكان الله عز وجل قد فتح على قلبه وفهمه ينابيع العلم والحكمة، فكان من أفراد العالم ذكاءً وفهمًا، مع زهد وعزوف عن الدنيا وزينتها، لا يدخر شيئًا، كل ما يملكه ينفقه على أهل العلم، حتى أنه لم يكن يميز بين العشرة والعشرين، ربما دفع العشرة على أنها خمسة.
ثناء الناس عليه:
كان ابن خزيمة درة زمانه في العلم والفقه والزهد والورع، لذلك كان كلمة إجماع لم يختلف عليه أحد، بل الجميع القاصي والداني مقر بفضله معترف بمكانته وقدره، وهذه طائفة من ثناء الناس عليه:
ـ قال الحافظ أبو علي النيسابوري: لم أر أحدًا مثل ابن خزيمة، وهو يقول مثل هذا وقد رأى الإمام النسائي صاحب السنن.
ـ قال ابن حبان البستي: ما رأيت على وجه الأرض من يحفظ صناعة السنن ويحفظ ألفاظها الصحاح وزياداتها، حتى كأن السنن كلها بين عينيه إلا ابن خزيمة فقط.
ـ قال الدارقطني: كان ابن خزيمة إمامًا ثبتًا معدوم النظير.
ـ قال الإمام ابن سريج: ابن خزيمة يستخرج النكت من حديث رسول الله بالمنقاش.
ـ قال أبو عثمان الحيري: إن الله ليدفع البلاء عن أهل هذه المدينة ـ يقصد نيسابور ـ لمكان أبي بكر بن خزيمة.
ـ سئل إمام الجرح والتعديل ابن أبي حاتم عن ابن خزيمة فقال لمن سألوه: ويحكم هو يسأل عنا ولا نسأل عنه، هو إمام يقتدى به.
مصنفاته:
لابن خزيمة مصنفات تزيد على مائة وأربعين كتابًا سوى المسائل الفقهية وهي تزيد وحدها على مائة جزء، ويعتبر ابن خزيمة واحدًا من أهم منظري العقيدة الصحيحة عقيدة السلف الصالح، وله كتاب «التوحيد» من أشهر كتب العقيدة السلفية في القرن الثالث الهجري، أطلق فيه عبارات قوية وحاسمة فيما يتعلق بالمذاهب المخالفة لعقيدة السلف، منها قوله السائر: من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى فوق سبع سماواته فهو كافر حلال الدم وكان ماله فيئًا، وقال: القرآن كلام الله تعالى ومن قال إنه مخلوق فهو كافر يستتاب، فإن تاب وإلا قتل ولا يدفن في مقابر المسلمين.
محنته:
كان لابن خزيمة عظمة في النفوس وجلالة في القلوب لعلمه ودينه واتباعه للسنة، وبلغ الإمام رتبة الاجتهاد وتفرد على أهل زمانه وتقدمهم في السن والعلم، وكان له أصحاب وتلاميذ صاروا في حياته نجوم عصرهم وأئمة كبارًا يشد إلى حلقهم الرحال، ولعل ذلك سبب تسمية ابن خزيمة بإمام الأئمة، ومن هؤلاء الأصحاب الأئمة: أبو علي الثقفي وهو أول من حمل علوم الشافعي ودقائق ابن سريج إلى خراسان، وأبو بكر الصبغي خليفة ابن خزيمة في الفتوى وأحسن الجماعة تصنيفًا وأحسنهم سياسة في مجالس السلاطين، وأبو بكر بن أبي عثمان وهو أكثرهم جمعًا للعلوم ورحلة له وهو شيخ المجاهدين، وأبو محمد يحيى بن منصور وكان من أصلح الناس للقضاء.
وتبدأ فصول محنة ابن خزيمة عندما ورد إلى نيسابور رجل معتزلي فاسد العقيدة والطوية أيضًا اسمه منصور الطوسي، وأخذ هذا الرجل في حضور مجالس ابن خزيمة لسماع آرائه وأقواله في العقيدة، فلما عاين ما عاين من الأربعة الذين سميناهم داخله الحسد وأكل قلبه الغل، وأخذ يخطط من أجل إيقاع الفرقة بين الإمام وأصحابه، واجتمع مع رجل على شاكلته هو أبو عبد الرحمن الواعظ القدري المعتزلي، واتفقا على تفاصيل المؤامرة وعلى بث الوشايات الكاذبة عند الإمام ابن خزيمة بحق أصحابه، واتهامهم بالخوض في باب العقائد، وأنهم على مذهب الكلابية [منسوب لابن سعيد بن كلاب]، وبالفعل أخذ الرجلان في الكلام بحق هؤلاء الأئمة عند أستاذهم ابن خزيمة.
وحدث ذات مرة أن تكلم أبو علي الثقفي عن مسألة كلام الله بعد أن ثار خلاف بشأنها في إحدى حلق العلم، وكان ابن خزيمة ينهي أصحابه عن هذه المسألة تحديدًا وعن الخوض في الكلام عمومًا، فانتهز منصور الطوسي الفرصة وأسرع إلى الشيخ ابن خزيمة وقال له: ألم أقل للشيخ: إن هؤلاء يعتقدون مذهب الكلابية؟ فجمع ابن خزيمة أصحابه وقال لهم: ألم أنهكم غير مرة عن الخوض في الكلام؟ ولم يزدهم على هذا ذلك اليوم.
لم يزل الطوسي يروح ويجول بفريته على مسامع الشيخ ابن خزيمة حتى جرَّأه على أصحابه واستحكمت الوحشة بين الشيخ وتلاميذه، وزادت الأمور سوءًا بتدخل بعض الأطراف الخارجية حتى وصل الحال بابن خزيمة ـ وكان قد جاوز الثمانين من العمر وضجر وضاق صدره ـ بأن أعلن في محضر من طلاب العلم بأن أصحابه الأربعة كذبة، وأنه محرم على كل طالب علم أن يقبل منهم شيئًا يروونه عن ابن خزيمة، وما هم بكذبة بل أئمة أثبات، ولكنه فعل الطوسي المنحرف الذي سعى بالنميمة والكذب، حتى انحرف الشيخ عن أقرب وأخص أصحابه.
اغتنم الطوسي وأبو عبد الرحمن القدري الفتنة في نشر مذهبهما في الاعتزال ووجدا من بعض الحسدة مثل البردعي وأبي بكر بن علي من يساعدهما على تأجيج الفتنة، فانتصب الحافظ أبو عمرو الحيري للصلح بين الجماعة، وشرح لابن خزيمة غرض المعتزلة في فساد الحال حتى استطاع أن يجمع بين الشيخ وأصحابه في مجلس وأصلح بينهم، وكتب الأصحاب عقيدتهم في محضر ووقع ابن خزيمة عليه بالصحة والسلامة، وأودع المحضر عند الحافظ الحيري حتى لا يبقى لمتقول كلام.
لم يكد ينقضي يوم واحد على الصلح وكتابة المحضر حتى أسرع الطوسي ومن على شاكلته من المعتزلة إلى الشيخ ابن خزيمة، وقالوا له: إنهم قد غدروا بك وغيروا من كلام المحضر ليوافق عقيدتهم عقيدة ابن كلاب، فغضب ابن خزيمة بشدة، وكما قلنا إنه كان شيخًا كبيرًا جاوز الثمانين، فأرسل إلى أبي عمرو الحيري يطلب المحضر للتأكد من صحة الخبر، فرفض الحيري، فقوي ظن ابن خزيمة بأنهم قد غدروا به وغيروا كلامه في المحضر، فظل ساخطًا مقاطعًا لأصحابه وتلاميذه الأئمة حتى مات بعد ذلك بقليل.
وهكذا نرى كيف أن أصحاب العقائد الباطلة والمذاهب الفاسدة كانوا وما زالوا يلعبون دورًا خطيرًا في فساد ذات البين وفي محن العلماء الربانيين، وأي محنة أشد على العالم من أن يقاطع تلاميذه ويعادي أخص أصحابه الذين كانوا مصدر فخره وأحد أسباب شهرته والله أعلم بالعاقبة.

كتبه : شريف عبدالعزيز

في امان الله
***************

 
هذا الموضوع موجود في
http://www.raf-m.com/vb/showthread.php?t=3363

--
***************
لا تنسوني ووالدي من دعائكم

أخوكم في الله

أبو بكر

محنة الامام ابن حبان !!.


خلال دراستنا التاريخية لأحداث وفعاليات المحن والابتلاءات التي تعرض لها علماء الأمة وجدنا أن غالبية هذه المحن كانت بسبب الحسد والتعصب المذهبي، أو بسبب فتوى أو قول أو رأي قال به العالم المبتلى، أو بسبب الثبات على الحق والجهر به والتصدي للظلم والظلمة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهكذا، ولكن أن يبتلى العالم ويمتحن امتحانًا شديدًا ويكفر ويهدر دمه بسبب كلمة قالها لم يرد بها إلا الخير والحق!!! فهذه حقًا تعتبر من أعجب المحن، وهو عين ما جرى للإمام ابن حبان البستي.
التعريف به:
هو الإمام العلم العلامة، الحافظ المجود، شيخ خراسان، أحد أوعية العلم الكبار، ورجل من كبار رجالات الحديث، أبو حاتم محمد بن حبان البستي، صاحب الكتب الشهيرة والمصنفات الفائقة، ولد في مدينة بُست من أعمال سجستان في خراسان [مدينة في إيران الآن] سنة 273هـ، فأخذ في طلب الحديث منذ بواكيره، وخرج على عادة طلاب الحديث لرحلة علمية كبيرة وواسعة لسماع الحديث من شيوخه وأعلامه في شتى أرجاء الدولة الإسلامية، فطاف أولاً أقاليم خراسان كلها ثم العراق ودخل مصر والشام والسواحل والحجاز واليمن، حتى إنه قد حمل العلم والحديث عن أكثر من ألفي شيخ، فيا لها من همة عالية رفعت لمصاف علماء الأمة الكبار وحفاظها المعروفين.
مصنفاته:
لابن حبان مصنفات كثيرة وشهيرة لم يبق منها للأسف الشديد سوى النذر اليسير، أشهرها على الإطلاق كتاب الأنواع والتقاسيم الذي أطلق عليه أهل العلم اسم (المسند الصحيح)، وهو كتاب لا يقدر على الكشف منه إلا من حفظه تمامًا، وقد التزم ابن حبان فيه بنظام دقيق... قال هو عنه في مقدمته: (شرطنا في نقله ما أودعناه في كتابنا؛ ألا نحتج إلا بأن يكون في كل شيخ فيه خمسة أشياء: العدالة في الدين بالستر الجميل، الثاني: الصدق في الحديث بالشهرة فيه، الثالث: العقل بما يحدَّث من الحديث، الرابع: العلم بما يحيل المعنى من معاني ما روى، الخامس: تعري خبره من التدليس).
كما له كتب أخرى مشهورة مثل: التاريخ، الضعفاء، العلل، مناقب الشافعي، موقوف ما رفع، الهداية، وكتب كثيرة ضاعت بسبب فساد الأحوال، وذلك لأنه قد أوقف كتبه كلها لطلبة العلم في داره، فلما انتشرت الفتن والاضطرابات وضعف أمر الخلافة والسلطان، استولى المفسدون على داره وضاعت كتبه العلمية.
ثناء الناس عليه:
لابن حبان مكانة كبيرة ومنزلة عالية في سماء علم الحديث؛ بحيث إنه كان ممن يشد إليه الرحال لسماع كتبه وأسانيده، وقد اعترف له معاصروه ومن جاء بعده بالعلم والفضل والتقدم؛ فهذا تلميذه أبو عبد الله الحاكم وهو من كبار علماء الحديث وصاحب كتاب المستدرك يقول عنه: (كان ابن حبان من أوعية العلم في الفقه واللغة والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال، وقد أقام عندنا في نيسابور وبنى الخانقاه (مثل المدرسة) وقرئ عليه جملة من مصنفاته ثم خرج إلى وطنه سجستان عام 340هـ وكانت الرحلة إليه لسماع كتبه).
وقال عنه الحافظ أبو سعد الإدريسي: (كان ابن حبان من فقهاء الدين وحفاظ الآثار، عالمًا بالطب وبالنجوم [يقصد الفلك] وفنون العلم، وقد صنف المسند الصحيح، وقد تولى قضاء سمرقند زمانًا فنشر الفقه والعلم هناك بين الناس).
وقال عنه الخطيب البغدادي: كان ابن حبان ثقة نبيلاً فهمًا.
ولولا أن ابن حبان قد أقدم على توثيق المجاهيل في مسنده لارتفع شأن هذا المسند إلى مصاف الكتب الستة، وأيضًا لزادت مكانته ودرجته في مصاف العلم والعلماء.
محنته:
تعتبر المحنة التي تعرض لها الإمام ابن حبان وكادت تودي بحياته وتقضي على تراثه وعلمه من أعجب المحن والفتن التي يتعرض لها أحد من أهل العلم، وتدل على مدى خطورة الجهل بمعاني الألفاظ ومدلولاتها، وأيضًا تدل على مدى خطورة تحميل الألفاظ والأقوال من أوجه الكلام ما لا تحتمله ولا يتفق مع دين وعقيدة ومكانة قائلها، ويحضرنا عند الحديث عن محنة ابن حبان العجيبة مقولة الإمام مالك الشهيرة: [إذا قال الرجل قولاً يحتمل الكفر من تسعة وتسعين وجهًا والإيمان من وجه واحد حملناها على الإيمان] لأنها تكاد تنطبق على هذه المحنة الغريبة.
ومفاد الحادثة أن الإمام ابن حبان أثناء إلقائه لأحد الدروس في نيسابور سئل عن النبوة فقال: النبوة "العلم والعمل"، وكان يحضر مجلسه بعض الوعاظ فقام إليه واتهمه بالزندقة والقول بأن النبوة مكتسبة، وارتفعت الأصوات في المجلس وهاج الناس بين مؤيد للتهمة ونافٍ لها، وخاضوا في هذا الخبر على كل وجه، حتى كتب خصوم ابن حبان محضرًا بالواقعة وحكموا عليه فيه بالزندقة ومنعوا الناس من الجلوس إليه، وهُجر الرجل بشدة، وبالغوا في أذية ابن حبان وتمادوا في ذلك حتى كتبوا في أمر قتله وهدر دمه إلى الخليفة العباسي وقتها، فكتب بالتحري عن الأمر وقتله إن ثبتت عليه التهمة، وبعد أخذ ورد اتضحت براءة ابن حبان ولكنهم أجبروه على الخروج من نيسابور إلى سجستان. وهناك وجد أن الشائعات تطارده والتهمة ما زالت تلاحقه. وتصدى له أحد الوعاظ هناك واسمه يحيى بن عمار وظل يؤلب عليه حتى خرج من سجستان وعاد إلى بلده "بست"، وظل بها حتى مات رحمه الله مهمومًا محزونًا من الأباطيل وتهم الزندقة والإلحاد.
ولكن هل مجرد كلمة واحدة تجلب على هذا العلم الفذ كل هذه المتاعب؟ ونحن نقول إن هذه الكلمة وأمثالها قد تفعل مثل ذلك وزيادة إذا ألقيت على أسماع من لا يفهم معاني اللغة ومدلولاتها، وأيضًا إذا ألقيت على أسماع الحاسدين والموتورين الذين يتربصون بأمثال هذا العالم العلامة الدوائر، وينتظرون أي مناسبة وفرصة ولو بشطر كلمة للنيل منه.
فإن كلمة: النبوة العلم والعمل، يقولها المسلم ويقولها الزنديق، يقولها المسلم ويقصد بها مهم النبوة، إذ من أكمل صفات النبي العلم والعمل، فما من نبي قط إلا وهو على أكمل حال من العلم والعمل، وليس كل من برز فيهما نبيًا؛ لأن النبوة محض اصطفاء من الله عز وجل، لا حيلة للعبد في نيلها ولا اكتسابها، وابن حبان لم يرد حصر المبتدأ في الخبر، وذلك نظير قوله صلى الله عليه وسلم: ((الحج عرفة)) ومعلوم أن عرفة هو ركن الحج الأعظم، ولكن لا يكفي وحده حتى يصير العبد حاجًا، بل هناك أركان وفروض أخرى لشعيرة الحج، ولكن عرفة هو مهم الحج، كما أن العلم والعمل مهم النبوة وهذا ما قصده وأراده ابن حبان، وهذا ما يجب أن يحمل كلامه عليه وهذا اللائق بمكانته وعلمه، وأيضًا اللائق بخلق المسلم الصادق الذي يحسن الظن بإخوانه المسلمين.
وأيضًا هذه الكلمة يقولها الفيلسوف الزنديق وهو يقصد بها أن النبوة مكتسبة ينتجها العلم والعمل وكثرة الرياضات والمجاهدات، وهذا كفر مخالف للقرآن والسنة وإجماع المسلمين، وهذا ما لا يريده ابن حبان ولا يقصده أبدًا وحاشاه، فهو من كبار علماء الأمة وأئمتها، ولكن الجهل والحقد والحسد أعمى قلوب معارضيه حتى خاضوا فيه وأجبروه على الرحيل من مكان لآخر حتى استقر في بلده وبها مات، وما أشبه هذه الحادثة بما جرى للبخاري.
فرحم الله الرجلين وأجزل لهما المثوبة وجعل من أبناء الأمة من يذبون عن أعراضهم ويدفعون عنهم الأباطيل والأكاذيب ويكشفون بطلان تهم خصومهم، ويعرفون أبناء المسلمين حقيقة علماء هذا الدين.

كتبه : شريف عبدالعزيز

في امان الله
***************
 
هذا الموضوع موجود في
http://www.raf-m.com/vb/showthread.php?t=3376


--
***************
لا تنسوني ووالدي من دعائكم

أخوكم في الله

أبو بكر

حياكم الله وبياكم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... مرحبا بكم في مدونة المفلح... أدعو الله أن أكون قدمت لكم ما يرضي الله ورسوله وأن أبلغ ما أستطيع تبليغه من جميع العلوم المفيدة

share

Bookmark and Share